ابن حزم
21
رسائل ابن حزم الأندلسي
ب ) مناظرة بينه وبين كبير من المالكيين حول قول ابن عباس في دية الأصابع : ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان عقلها سواء وإن اختلفت منافعها . فالمالكية يرون هذا من باب القياس وابن حزم يراه نصاً جلياً في إبطاله . قال ابن حزم لمناظره : عن القياس عند جميع القائلين به وأنت منهم ، إنما هو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص ، وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع بل الخلاف موجود في كليهما ، وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الأصابع وبين دية الأضراس ، وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك ، فبطل هاهنا رد المختلف فيه إلى المجمع عليه ، والنص في الأصابع والأسنان سواء ، ثم من المحال الممتنع أن يكون عند ابن عباس نص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التسوية بين الأصابع وبين الأضراس ثم يفتي بذلك قياساً ( 1 ) . وليس هذان المثلان إلا شيئاً يسيراً من ذلك الصراع المذهبي بين ابن حزم والمالكية ، وهما نموذج لمناظرات أخرى عنيفة حامية . وقد ملأ ابن حزم كتبه الفقهية بردوده على فقهاء المالكية ، ويبدو من حديثه عنهم - بوجه عام - انهم كانوا قد وقفوا عند حد المدونة والمستخرجة لا يتعدونهما إلى شيء ، حتى لقد سئل عبد الله بن إبراهيم الأصيلي : كيف صفة الفقيه عندكم بالأندلس فقال : يقرأ المدونة وربما المستخرجة فإذا حفظ أفتى ، فقال له سائله وهو شرقي : أجمعت الأمة على أن من هذه صفته لا يحل له أن يفتي . وروى ابن حزم أيضاً هذه القصة قال ( 2 ) : حدثني أبو مروان عبد الملك بن أحمد المرواني ( 3 ) قال : سمعت أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي ( 4 ) ونحن مقبلون من جنازة من الربض بعدوة نهر قرطبة وقد سأله سائل فقال له : ما المقدار الذي إذا بلغه المرء حل له ان يفتي فقال له : إذا عرف موضع المسالة في الكتاب الذي يقرأ حل له أن يفتي . ولم يحمل ابن حزم على تقليد المالكيين وحدهم بل على التقليد عند غيرهم من أهل المذاهب الأخرى حتى قال في اتهامه لهم جميعاً : وأما أهل بلدنا فليسوا ممن يعتني بطلب دليل على مسائلهم فيعرضون كلام الله تعالى وكلام الرسول على قول صاحبهم
--> ( 1 ) الاحكام 7 : 78 . ( 2 ) الاحكام 5 : 129 . ( 3 ) هو ابن المسن ( أو المش ) توفي سنة 436 ( الصلة : 342 ) . ( 4 ) كبير أهل الفتوى في زمنه بقرطبة . توفي سنة 401 ( الصلة : 28 وترتيب المدارك 4 : 635 ) .